السيد محمد باقر الصدر
138
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
تنشأ من الانطباعات التي نتلقّاها من العالم الخارجي ، وإذا فحصنا انطباعاتنا عن العالم الخارجي لا نجد فيها انطباعاً عن العليّة بالمعنى الذي يشتمل على الضرورة وحتميّة الارتباط بين الحادثتين ؛ لأنّنا مهما تلفّتنا حولنا متّجهين بأنظارنا إلى الأشياء الخارجيّة ، باحثين فيما نسمّيه من تلك الأشياء أسباباً ، لا نجد - في أيّة حالة من الحالات - ما يكشف لنا عن رابطة ضروريّة بين السبب ومسبّبه ، إنّنا لن نجد أبداً صفة تنطبع بها حواسّنا وتكون هي الصفة التي تربط المعلول بعلّته ربطاً يجعل ذلك المعلول نتيجة محتومةً لعلّته ، إنّ كلّ ما نراه في العالم الخارجي هو أنّ النتيجة تتبع سببها فعلًا : فنرى - مثلًا - أنّ كرة البليارد المتحرّكة إذا ما صدمت كرةً أخرى كانت ساكنة فإنّ هذه الثانية تتحرّك كذلك ، إنّ الذي ينطبع على حواسّنا الظاهرة هو : كرة أولى تتحرّك ، وكرة ثانية تعقبها في الحركة « 1 » . وهكذا ينتهي ( هيوم ) إلى رفض التسليم بعلاقة العليّة كحقيقة موضوعيّة ، إذ لا سبيل إلى إثباتها عقليّاً ولا تجريبيّاً ، واتجه على هذا الأساس إلى تفسيرها على أساس ذاتي نفسي . فبدلًا عن أن تكون الضرورة علاقة قائمة بين أكل الخبز والشبع ، يتصوّرها ( هيوم ) علاقة قائمة في الذهن بين فكرة أكل الخبز وفكرة الشبع على ما سوف نتحدّث عنه بعد لحظات . وتأكيد ( هيوم ) على عدم وجود انطباع حسّي لدينا عن العليّة بمعنى الضرورة والحتميّة يثير مشكلتين : الأولى : كيف إذن يمكن أن نتصوّر العليّة بمعنى الضرورة والحتميّة ، إذا كان التصوّر - أيّ تصوّر بسيط بوصفه فكرة - لا بدّ أن يكون نسخةً لانطباع معيّن ؟
--> ( 1 ) ديفد هيوم ، للدكتور زكي نجيب محمود : 85 - 86